مصطفى صادق الرافعي

27

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

لي أبو بكر : إن هذا قد دعاني إلى أمر فأبيت عليه ؛ وأنت كاتب الوحي ، فإن تكن معه اتبعتكما ، وإن توافقني لا أفعل ، فاقتص أبو بكر قول عمر وعمر ساكت ، فنفرت من ذلك ، وقلت : يفعل ما لم يفعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ؟ إلى أن قال عمر كلمة : وما عليكما لو فعلتما ذلك ؟ فذهبنا ننظر ، فقلنا : لا شيء واللّه ، ما علينا في ذلك شيء . وقال زيد : أمرني أبو بكر فكتبته في قطع الأدم وكسر الأكتاف والعسب . وهذا الذي فعله أبو بكر كأنما استحيا به طائفة من القراء الذين استحر بهم القتل بعد ذلك في المواطن التي شهدوها ، ولم يعد به ما وصفنا ، ولذا بقي ما اكتتبه زيد نسخة واحدة ، وهو قد تتبع ما فيها من الرقاع والعسب واللّخاف ومن صدور الرجال ، إنما ائتمنه أبو بكر لأنه حافظ ، ولأنه من كتبة الوحي ، ثم لأنه صاحب العرضة الأخيرة ؛ وربما كان قد أعانه بغيره في الجمع والتتبع : فإن في بعض الروايات أن سالما مولى أبي حذيفة كان أحد الجامعين بأمر أبي بكر ، أما الكتابة فهي لزيد بالإجماع . وبقيت تلك الصحف عند أبي بكر ينتظر بها وقتها أن يحين ، حتى إذا توفي سنة 13 ه صارت بعده إلى عمر ، فكانت عنده حتى مات ، ثم كانت عند حفصة ابنته صدرا من ولاية عثمان ، ويومئذ اتسعت الفتوح وتفرق المسلمون في الأمصار ، فأخذ أهل كلّ مصر عن رجل من بقية القراء . فأهل دمشق وحمص أخذوا عن المقداد بن الأسود ، وأهل الكوفة عن ابن مسعود ، وأهل البصرة عن أبي موسى الأشعري - وكانوا يسمون مصحفه لباب القلوب - وقرأ كثير من أهل الشام بقراءة أبيّ بن كعب ، وكانت وجوه القراءة التي يؤدى بها القرآن مختلفة باختلاف الأحرف التي نزل عليها ، كما سيمرّ بك ، فكان الذي يسمع هذا الاختلاف من أهل تلك الأمصار - إذا احتوتهم المجامع أو التقوا في المواطن على جهاد أعدائهم - يعجب من ذلك أن تكون هذه الوجوه كلها على اختلاف ما بينها في كلام واحد ، فإذا علم أن جميع القراءات مسندة إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأنه أجازها ، لا يمنع أن يحيك في صدره بعض الشك وأن ينطوي منها على شيء . وإذا هو كان قد نشأ بعد زمن الدعوة وبعد أن اجتمع العرب على كلمة واحدة ، فلا يلبث أن يجري ذلك الاختلاف مجرى مثله من سائر الكلام ، فيرى بعضه خيرا من بعضه ، ويظن منه الصريح والمدخول والعالي والنازل ، والأفصح والفصيح ، وأشباه ذلك ، ويعتدّ ما يراه في القرآن من القرآن ، وهذا أمر إن هو استفاض فيهم ثم مردوا عليه خرجوا منه ولا ريب إلى المناقضة والملاحاة وإلى أن يردّ بعضهم على بعض هذا يقول : قراءتي وما أخذت به وذلك يقول : بل قراءتي وما أنا عليه ! وليس من وراء هذا اللجاج إلا التكفير والتأثيم ، ولا جرم أنها الفتنة لا تفنى بعد ذلك من دم . ولقد نجمت هذه الناشئة يومئذ ، فلما كانت غزوة إرمينية وغزوة أذربيجان ، كان